لم يكن الشيخ مصطفى إسماعيل مجرد قارئ يتلو آيات القرآن، بل كان ظاهرة فنية وصوتية فريدة من نوعها، استطاع أن يدمج المقامات الموسيقية مع النص القرآني. أطلق عليه النقاد لقب “مهندس الأصوات”، فقد أسعد بصوته العامة وأبهر المتخصصين في الموسيقى، وجذب انتباه كبار رجال الدين والسياسة.

بين عباءة “العمامة” وسحر “الفن”، اتحدت قلوب المشاهير في تقدير هذا العبقري، حيث اعتبره البعض “نوراً سماوياً”، بينما رأى آخرون أن تنقلاته اللحنية تعكس إعجازاً لا يقدر عليه بشر. في هذا التقرير، نستعرض بعض الشهادات الخالدة من عمالقة الفن والفكر والدين، الذين لم يملكوا سوى الإنصات أمام عظمة صوته.

وفى لقاء سابق مع عاطف مصطفى إسماعيل، ابن القارئ الراحل، سرد لنا بعض المقولات الشهيرة عن والده التي تعكس مدى موهبته، وهي كلمات ستظل وساماً على صدر أبنائه وكل من اتبع مدرسته.

الفنان محمد عبد الوهاب:

التقى الفنان محمد عبد الوهاب بالشيخ مصطفى إسماعيل في عزاء، وبعد أن انتهى الشيخ من القراءة، قدّم له عبد الوهاب عنوانه وطلب منه أن يزوره. كانت بينهما صداقة، وكان عبد الوهاب دائماً مندهشاً من إتقان الشيخ للمقامات رغم عدم دراسته لها أكاديمياً. وصفه بعبارته الشهيرة: “الشيخ مصطفى إسماعيل كان يركب النغم ولا يركبه النغم”، مشيراً إلى أذنه الموسيقية الفائقة وقدرته على الانتقال بين المقامات بسلاسة.

الفنان عبد الحليم حافظ :

قال عاطف إن عبد الحليم حافظ قابل والده أمام الإذاعة، وعندما عرف أنه ابن الشيخ، قال له “أبوك فنان”، وطلب منه تسجيلات للشيخ فقدم له هديتين.

عمار الشريعى :

في برنامج تليفزيوني، وصف عمار الشريعى الشيخ مصطفى إسماعيل قائلاً: “إحنا يا مزيكاتية منعرفش نفكر زيه”، مشيداً بتلاعبه بالمقامات في تجويد القرآن، وأكد أنه كان يثير المتعة والتدبر في نفوس مستمعيه.

الفنانة ام كلثوم :

قالت أم كلثوم، التي كانت تعرف الشيخ جيداً، “إنه تخت موسيقى كامل بمفرده”، وذكرت أنها نشأت على تلاواته قبل أن تصبح فنانة.

رياض السنباطى :

عند وفاة الشيخ، كان عاطف يجلس مع كمال النجمى، وسأله عن أحد الحضور، فقال له “هذا رياض السنباطى”. ذهب عاطف ليعرفه بنفسه، فقال له السنباطى إنه جاء لوداع هذا الرجل العظيم. وأكد أن جميع المقرئين والمطربين لم يصلوا لمستوى ما فعله والده.

درويش الحريرى :

درويش الحريرى، أستاذ أم كلثوم، سأل الشيخ عن تعليمه للمقامات، فأجابه الشيخ بأنه لم يتعلم شيئاً سوى من الراديو، فرد الحريرى بأن فطرته أقوى من كل الدراسات.

رتيبة الحفنى عميد معهد الموسيقى العربية

رتيبة الحفنى، أول سيدة تتولى إدارة دار الأوبرا، قالت للشيخ بعد إحدى تلاواته “أنت معهد موسيقى كامل لوحدك”.

فرج العنترى رئيس معهد الموسيقى :

وصف فرج العنترى الشيخ مصطفى بأنه “سيد التلوين النغمى فى عصر الراديو”، وهو وصف دقيق من عاطف عن والده.

رحيل الشيخ مصطفى إسماعيل في عام 1978 لم يكن مجرد غياب، بل كان بداية لمدرسة لا تزال تفتح أبوابها للقراء. بعد عقود، يظل صوته “المعلم الصامت” لآلاف القراء في كل مكان، حيث يجدون في تلاوته مرجعاً يجمع بين وقار التلاوة وإعجاز الأداء.

السر وراء احترام كبار الفن والدين لصوته يكمن في صدق إحساسه، فلم يكن يقرأ ليُطرب بل ليُفهم، فكانت الحناجر تتجاوب مع “الله” باندهاش من قدرته على تجسيد الكلمات الربانية بشكل حي.