أكد الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي والأمن القومي، أن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز يحتاج لفهم أعمق من مجرد كونه ممرًا مائيًا معطلًا، حيث لم يُغلق المضيق بشكل رسمي حتى الآن، بل ما يحدث هو “إغلاق غير معلن” فرضته شركات التأمين البحري بسبب المخاطر الأمنية. هذا الأمر دفع العديد من السفن للتراجع خوفًا من التعرض للاستهداف أو زيادة تكاليف التأمين بشكل مبالغ فيه.
فرض سيطرة على مسارات إمدادات الطاقة
أوضح الشريف، في تصريحات خاصة، أن الولايات المتحدة تحاول إرسال رسالة مفادها أن المرور عبر المضيق لا يزال ممكنًا تحت حمايتها، وهذا يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز تأمين الملاحة، لتصل إلى محاولة السيطرة على مسارات إمدادات الطاقة، خاصة المتجهة إلى الصين، التي تعتمد على الخطوط البحرية في وارداتها من النفط والمواد الخام اللازمة لصناعتها.
وأشار إلى أن واشنطن تدرك أن التهديد الأكبر للأمن القومي الصيني يكمن في خطوط الإمداد البحرية، سواء ما يتعلق بالصادرات الصينية أو وارداتها من الطاقة، لذلك فإن أي توتر في الخليج يمثل ضغطًا مباشرًا على بكين. كما لفت إلى أن الصين بدأت في رفع احتياطياتها النفطية إلى مستويات غير مسبوقة، ووسعت تعاقداتها مع روسيا لتأمين إمدادات مستقرة من النفط والغاز في ظل العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، مما وفر منفذًا آمنًا للصادرات الروسية.
طريق رأس الرجاء الصالح
وأكد الشريف أن البديل البحري الوحيد حال تعذر المرور عبر الخليج هو طريق رأس الرجاء الصالح، لكنه يظل حلاً مكلفًا ويزيد زمن الشحن بنحو 15 إلى 20 يومًا، دون أن يحل المشكلة الأساسية، وهي كيفية خروج النفط من منطقة الخليج في ظل التهديدات الأمنية.
وأوضح أن الأزمة الحقيقية ليست فقط في مسار النقل، بل في توافر الكميات ذاتها، إذ تمثل دول الخليج ما بين 25 و30% من إمدادات الطاقة العالمية. وإذا طال أمد الأزمة، فقد تتجاوز أسعار النفط حاجز 120 دولارًا للبرميل، مما سينعكس بحدة على معدلات التضخم والاقتصادات المستوردة للطاقة حول العالم.
بدائل مضيق هرمز
وفيما يتعلق بالحلول، أشار الشريف إلى وجود بدائل جزئية يمكن أن تخفف من حدة الأزمة، مثل خطوط الأنابيب الممتدة داخل السعودية من الشرق إلى الغرب وصولًا إلى موانئ البحر الأحمر، مما يسمح بتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز. كما لفت إلى أهمية خط أنابيب “سوميد” في مصر، الذي ينقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، مؤكدًا أن تعزيز استخدامه قد يمنح مصر ميزة استراتيجية واقتصادية في ظل الظروف الراهنة.
الصراع الجيوسياسي معقد يتجاوز مجرد إغلاق مضيق
وأضاف الشريف أن هناك إمكانية لتوسيع أنماط النقل المختلط “البحري–البري”، عبر تفريغ الشحنات في موانئ المتوسط ونقلها برًا إلى البحر الأحمر أو العكس، وهو ما يعزز من أهمية الموقع الجغرافي المصري في إدارة الأزمات اللوجستية.
وأكد الشريف أن الولايات المتحدة لن تكون الأكثر تضررًا من الأزمة، نظرًا لانخفاض اعتمادها المباشر على نفط الخليج، خاصة بعد تنويع مصادرها وزيادة إنتاجها، بينما ستكون آسيا وأوروبا الأكثر عرضة للضغط، مشددًا على أن المشهد الحالي يعكس صراعًا جيوسياسيًا معقدًا يتجاوز مجرد إغلاق مضيق، ليصل إلى إعادة رسم موازين النفوذ في أسواق الطاقة العالمية. إدارة الأزمة ستحدد شكل التحالفات الاقتصادية والأمنية خلال السنوات المقبلة.


التعليقات