دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، ومع تصاعد التوترات في المنطقة، لم تشارك جماعة الحوثي اليمنية حتى الآن في العمليات العسكرية رغم إعلانها عن استعدادها لدعم إيران، فما هي الأسباب وراء ذلك؟

في البداية، أوضح السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للعلاقات الخارجية، أن الحوثيين لم يتدخلوا حتى الآن، على الرغم من قدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر أو خطوط نقل النفط بين السعودية والبحر الأحمر، واعتبر أن موقفهم محسوب بعناية لعدم الإضرار بمصالح الدول العربية، بينما يُظهر في نفس الوقت دعمهم لإيران في مواجهتها للعدوان الأمريكي الإسرائيلي.

وأضاف حسن في تصريحاته أن ما يحدث في المنطقة يأتي ضمن خطة أمريكية إسرائيلية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تهدف إلى فرض هيمنة جديدة، مستشهدًا بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل عامين عن هذا الأمر بالتنسيق مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن أي دولة تحاول مقاومة هذه السياسة، مثل إيران، يمكن أن تُعتبر نموذجًا تحذيريًا لبقية الدول في المنطقة.

القواعد الأمريكية

وأوضح أن الاعتماد الأمريكي على قواعده العسكرية في دول الخليج أصبح واضحًا أكثر مع الأزمة الحالية مع إيران، حيث تحولت هذه القواعد من نقاط دعم للوجود العسكري الأمريكي إلى أهداف محتملة للرد الإيراني مع تصاعد الأحداث.

وأشار إلى أن خروج حاملة الطائرات الأمريكية “لينكولن” بعيدًا عن مياه الخليج إلى أعالي البحار جاء كإجراء احترازي، لافتًا إلى أن طهران كانت قد نبهت واشنطن خلال المفاوضات السابقة للحرب بأنها ستعتبر أي تحرك عسكري ضدها انتهاكًا مباشرًا، مما يجعل الاعتماد على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج مصدر تهديد مباشر لدول المنطقة.

وتابع حسن أن المواقع المرتبطة بالقوات الأجنبية، سواء العسكرية أو السكنية، أصبحت عرضة للاستهداف، موضحًا أن العمليات الإيرانية الأخيرة طالت إلى جانب المواقع العسكرية بعض الفنادق والمنازل التي يقيم فيها الجنود، إضافة إلى مكاتب استخباراتية وأجهزة تجسس أمريكية في المنطقة.

الأوضاع الاقتصادية والسياحية في دول الخليج

وأكد حسن أن هذه التطورات أثرت بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والسياحية في دول الخليج، حيث شهدت دبي، التي تعد من أبرز الوجهات السياحية في العالم العربي، تراجعًا حادًا في النشاط السياحي، مع توقف شبه كامل لحركة السياحة وبدء بعض المستثمرين في سحب أموالهم، إضافة إلى انخفاض حركة رجال الأعمال والزوار الأجانب.

وأضاف أن التوترات أدت كذلك إلى احتجاز نحو 200 سفينة تجارية وناقلات للغاز والبترول في المنطقة، مما أثر على الأسواق الخارجية وأسعار الطاقة العالمية، كما ارتفعت تكاليف الشحن بنحو 100%، في حين شهدت أسعار الغاز في أوروبا زيادة تراوحت بين 45 و50%.

وفيما يتعلق بالأهداف الأمريكية والإسرائيلية من التصعيد مع إيران، أوضح رخا أن التقديرات التي تتحدث عن إمكانية إسقاط النظام الإيراني أو القضاء على قيادته العليا تعد تقديرات غير واقعية، مشيرًا إلى أن منصب المرشد الأعلى يمثل أعلى سلطة دينية وسياسية لدى الشيعة، ويمكن تشبيه دوره بدور البابا لدى الكاثوليك.

وأضاف أن أي اعتداء على المرشد الأعلى يثير مشاعر الانتقام داخل المجتمع الإيراني، ويحفز أذرع إيران الإقليمية مثل حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق.

ولفت إلى أن العامل القومي يمثل أحد أهم عناصر قوة الدولة الإيرانية، حيث يتمسك الشعب الإيراني باستقلاله ويرفض التدخل الخارجي، كما أن إيران تمتلك بنية صناعية متقدمة وقدرة على تصنيع الأسلحة محليًا، إلى جانب قطاع زراعي قوي يمكنه تلبية احتياجاتها الغذائية والتصدير لبعض دول الخليج، مما يقلل من تأثير أي حصار اقتصادي محتمل.

أبعاد متعددة

وحذر حسن من أن الحرب الحالية تحمل أبعادًا متعددة، وأن استمرار الصراع لفترة طويلة قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي، خاصة مع تأثيره على إمدادات النفط والغاز، كما قد يؤدي إلى أضرار كبيرة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

وأضاف أن إسرائيل قد تواجه أيضًا ضغوطًا داخلية إذا استمر التصعيد، إذ قد تضطر إلى سحب آلاف الجنود من قطاعات الإنتاج والخدمات، مما قد يؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي.

وأشار إلى أن التدخل المحتمل لبعض الدول الغربية مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، سواء بإرسال سفن بحرية أو طائرات أو صواريخ لحماية مواطنيها، قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع وتحويله إلى حرب إقليمية.

وأكد أن مصر أعربت عن قلقها من هذه التطورات، وهو ما عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية المصري، محذرين من مخاطر اتساع دائرة الصراع في المنطقة.

من جانبه، أكد الدكتور هاني سليمان، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، أن سقوط النظام الإيراني سيكون له انعكاسات واسعة على المستويات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية، وتمتد تأثيراته إلى الداخل الإيراني والدول المجاورة ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

وأشار سليمان في تصريحاته إلى أن النظام الإيراني، رغم الانتقادات والتدخلات الإقليمية التي يمارسها، يشكل نقطة توازن مهمة في مواجهة إسرائيل ويعمل كعنصر ردع في المنطقة، موضحًا أن انهياره قد يفتح المجال أمام توسع النفوذ الإسرائيلي بدعم أمريكي، بينما يمكن أن يقلل على المدى الطويل من التوتر بين إيران ودول الخليج، ويخلق فرصًا لإقامة شراكات اقتصادية وسياسية متزنة.

وحذر من أن سقوط النظام قد يؤدي إلى حالة اضطراب داخلي نتيجة الصراع بين القوميات المختلفة، مع احتمالية امتداد هذه التوترات إلى دول الجوار، مشيرًا إلى أن مرحلة الانتقال السياسي قد تشهد صراعًا على السلطة، مما يجعل إدارة الاستقرار تحديًا كبيرًا لأي سلطة جديدة.

وأوضح سليمان أن الضغط الأمريكي والإسرائيلي للتخلص من النظام الإيراني ليس مطلبًا أمريكيًا بحتًا، بل أن الجانب الإسرائيلي هو المحرك الرئيس لهذه الخطوة، مستغلًا التفوق الإقليمي الذي تحظى به إسرائيل بدعم أمريكي.

وأشار إلى أن إسقاط النظام الإيراني لن يكون عملية سهلة حتى مع التفوق العسكري الأمريكي، نظرًا لحاجة أي عملية تدخل بري ومواجهة مع المقاومة القومية والإثنية الداخلية، مما يجعل الفاتورة على الولايات المتحدة ستكون ثقيلة.

دور جماعة الحوثي

وعن دور جماعة الحوثي، قال سليمان إن مشاركتهم المتوقعة ستتركز على جبهة تأزيم الملاحة البحرية والتجارة، بما يشمل مضيق هرمز، لدعم إيران وإجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على إعادة حساباتهما، مؤكدًا أن تدخل الحوثيين سيؤدي إلى تأثيرات اقتصادية خطيرة على أسعار النفط والسلع الغذائية وسلاسل الإمداد العالمية.

وختم سليمان بالتأكيد على أن وجود النظام الإيراني يشكل حاجزًا أمام الانتشار الإسرائيلي المطلق في المنطقة، وأن انهياره سيجعل التوسع الإسرائيلي أسهل، بينما تظل منطقة الشرق الأوسط عرضة لاضطرابات متلاحقة ما لم يتم إدارة التوازن الإقليمي بشكل مدروس.