في ظل التوترات المتزايدة في المنطقة، تزداد المخاوف من تصاعد الأزمات، مما يجعل الأنظار تتجه نحو المواقف العربية الرسمية والسبل المتاحة لاحتواء هذه الأزمات، خصوصًا مع تداخل الجوانب العسكرية والاقتصادية والإعلامية في مشهد معقد للغاية، وسط تحذيرات من تداعيات استهداف منشآت الطاقة وتهديد الممرات الملاحية الرئيسية مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما قد يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي.
تظهر التحركات الحالية اتجاهين متوازيين، الأول دبلوماسي يهدف لتخفيف حدة التوتر عبر اتصالات مع دول إقليمية ودولية، بما فيها الولايات المتحدة وإيران، والثاني داخلي يركز على ضبط الخطاب الإعلامي والتصدي للمحتوى الذي يساهم في تأجيج الأوضاع بين الشعوب العربية، في وقت تزداد فيه الدعوات للتهدئة وتجنب التصعيد.
ملامح التحرك المصري لحماية المنطقة
في هذا السياق، أشار ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، إلى ملامح التحرك المصري على الصعيدين السياسي والإعلامي لاحتواء الأزمة، مؤكدًا على ثوابت الموقف الرسمي تجاه ما يحدث في المنطقة، موضحًا أن البيان الذي أصدرته وزارة الدولة للإعلام جاء بمبادرة منها وبالتعاون مع الهيئات الإعلامية المسؤولة عن تنظيم الإعلام في مصر.
وقال الوزير في مداخلتين على قناتين “العربية والجزيرة” إن الهدف من البيان هو مواجهة الانفلات والعشوائية في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل، والتي انعكست في توتر واضح داخل الرأي العام العربي، مشددًا على أن البيان يسعى لإعادة الأمور إلى نصابها، مؤكدًا أن مصر ترتبط بانتماء عربي حقيقي ومستمر مع الدول العربية الشقيقة، خاصة في الخليج والعراق والأردن.
أضاف أن هذا الانتماء يفسر التحرك الإعلامي المصري كامتداد للدور السياسي والدبلوماسي الذي تتبناه الدولة منذ بداية الأزمة، مشيرًا إلى أن هذا الموقف تجسد في تحركات رسمية قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جانب الحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، التي أعلنت رفضها التام للتصعيد، مع تأكيد دعمها الكامل للدول العربية المعتدى عليها واستعدادها لتقديم الدعم وفق ما تحتاجه هذه الدول.
اتصالات مكثفة مع القادة العرب والدوليين
في مواجهة الانتقادات حول تأخر التحرك، أوضح رشوان أن الدولة المصرية كانت حاضرة منذ البداية، من خلال اتصالات مكثفة مع القادة العرب والدوليين، إلى جانب إعلان موقف واضح برفض إدخال المنطقة في دوامة حرب واسعة، مشيرًا إلى مؤتمر صحفي عقده مجلس الوزراء في 10 مارس، جرى خلاله التحذير من أن ما يحدث يهدف إلى الوقيعة بين الدول العربية.
وأوضح الوزير أن مصر واصلت تحركها عربيًا، حيث تقدمت في 15 مارس عبر وزارة الدولة للإعلام بمشروع بيان إلى مجلس وزراء الإعلام العرب يدين الاعتداءات، وذلك بعد مشاركتها في صياغة بيان مجلس وزراء الخارجية العرب، قبل أن يتم اعتماد البيان بالإجماع في 18 مارس، مما يعكس إدراكًا مبكرًا لطبيعة الأزمة.
وفيما يتعلق بحجم التفاعل الإعلامي، أكد رشوان أن ما حدث لا يمثل ظاهرة عامة، موضحًا أن عددًا محدودًا من المنتمين لمجالات الإعلام والثقافة والسياسة في مصر تجاوزوا الأطر المهنية، وهو ما لا يعكس توجهات الإعلام المصري أو الدولة، مشيرًا إلى أن الواقعة الأساسية تمثلت في مقال واحد لم يُنشر في صحيفة رسمية، بل على الصفحة الشخصية لكاتبه، إلى جانب تسجيلات محدودة وتعليقات متفرقة.
أشار إلى أن المساحة الأكبر من التفاعل كانت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من مستخدمين عاديين أو من حسابات مندسة تهدف لإثارة الفتنة، مشددًا على أن التعامل مع هذه التجاوزات يتم من خلال القانون العام الذي تطبقه الجهات القضائية، إلى جانب صلاحيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في ضبط الأداء الإعلامي، موضحًا أن مصر دعت الدول العربية لاتخاذ إجراءات مشابهة للحد من هذه الظاهرة.
العشم المتبادل بين الشعوب العربية
في تفسيره لحالة التوتر، أرجع رشوان ما حدث إلى العشم المتبادل بين الشعوب العربية، حيث ارتفعت توقعات الأشقاء في الخليج من مصر، في وقت لم يكن فيه الرأي العام مطلعًا على طبيعة الاتصالات الرسمية بين الحكومات، مما أدى إلى فجوة في التقدير وردود فعل غير محسوبة، شارك فيها بعض المثقفين والإعلاميين.
وعلى صعيد الموقف العسكري، أكد وزير الدولة للإعلام أن مصر لن تكون طرفًا في أي تحالف عسكري ضد أي دولة في المنطقة، مع استمرارها في دعم الأشقاء العرب بكل ما يُطلب منها، مشيرًا إلى أن دول الخليج لم تطلب حتى الآن أي دعم عسكري من القاهرة.
جدد رشوان إدانة مصر للعدوان الإيراني على دول الخليج، مؤكدًا تضامن مصر الكامل مع الدول العربية في مواجهة التصعيد الذي استهدف منشآت حيوية، مشيرًا إلى أن التحرك المصري يقوم على مسارين متوازيين هما دعم وتضامن واضح، وجهود دبلوماسية مكثفة لخفض التصعيد ومنع اتساع نطاق الحرب.
الاقتصاد العالمي
كشف عن استمرار الاتصالات مع مختلف الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لاحتواء الأزمة، محذرًا من تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي نتيجة استهداف منشآت الطاقة، خاصة أن المنطقة تمثل نحو ربع إنتاج النفط والغاز عالميًا.
وحذر رشوان من أن اتساع نطاق التصعيد ليشمل البحر الأحمر أو مضيق باب المندب قد يؤدي إلى أزمة عالمية تتجاوز حدود الحرب الإقليمية، مؤكدًا أن استهداف منشآت الطاقة لا يخدم أي طرف.
وفيما يتعلق بالتصعيد الإسرائيلي، أشار إلى أن ضرب منشآت الطاقة يعقّد فرص العودة إلى المفاوضات، وقد يضع الولايات المتحدة تحت ضغوط دولية متزايدة لاحتواء الأزمة.
لجنة دائمة لإدارة الأزمة
على الصعيد الداخلي، أوضح رشوان أن الحكومة المصرية شكلت لجنة دائمة لإدارة الأزمة، تتابع مختلف السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك احتمالات إغلاق مضيق هرمز وتأثيراته على سلاسل الإمداد والطاقة، مؤكدًا في الوقت ذاته توافر مخزون كافي من السلع الأساسية.
شدد الوزير على أن المنطقة تمر بمرحلة خطر وجودي، تتطلب التكاتف ووقف محاولات إشعال الفتن، والتركيز على التحديات الكبرى بدلًا من الانسياق وراء خلافات جانبية قد تهدد استقرارها.


التعليقات