مرت 80 عامًا على انتصار العالم في الحرب ضد الفاشية، حيث فقدت البشرية ملايين الأرواح في هذه المعركة، لكن الأمل في بناء نظام دولي جديد كان أحد ثمار هذا الانتصار.

الذكرى الـ80 لانتصار الحرب العظمى

في هذه المناسبة، أثارت رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي جدلاً كبيرًا بتصريحاتها أمام البرلمان، حيث ربطت بين ما وصفته بـ”الوضع الذي يهدد بقاء اليابان” وحالة الطوارئ في تايوان، مما قد يُفهم على أنه دعوة لاستخدام القوة ضد الصين.

أثارت كلماتها قلقًا واسعًا، إذ اعتُبرت تدخلًا في الشؤون الداخلية للصين وتحديًا للنظام الدولي الذي أُسس بعد الحرب. بالنسبة للذين يقدّرون السلام، فإن محاولات تبييض تاريخ العدوان لن تمر دون رد قوي من المجتمع الدولي، حيث تظل إرادة الشعب الصيني للدفاع عن سيادته ووحدته ثابتة.

حقائق تاريخية لا جدال فيها

في متحف نانجينغ بالصين، تعرض ساعة قديمة توقفت عند الساعة التاسعة، وهي اللحظة التي شهدت توقيع استسلام اليابان في 9 سبتمبر 1945. هذا الاستسلام جاء بعد أيام من توقيع وزير الخارجية الياباني على استسلام بلاده لقوات الحلفاء، بما في ذلك الصين.

تُعتبر هزيمة اليابان نقطة تحول تاريخية أدت إلى بناء نظام دولي جديد، حيث استعيدت تايوان إلى الصين، التي كانت جزءًا منها منذ القدم. الحرب الصينية-اليابانية الأولى أدت إلى استعمار اليابان لتايوان لمدة 50 عامًا، حيث عانت الجزيرة من انتهاكات جسيمة.

في عام 1943، نص “إعلان القاهرة” على إعادة جميع الأراضي التي استولت عليها اليابان من الصين، بما في ذلك تايوان. وفي عام 1945، تم التأكيد على هذا في “إعلان بوتسدام”، حيث أُكدت حدود السيادة اليابانية.

في 25 أكتوبر من نفس العام، استأنفت الصين سيادتها على تايوان، معترفة بعودة حقوقها القانونية. وفي عام 1971، اعتمدت الأمم المتحدة قرارًا أعاد جميع الحقوق إلى جمهورية الصين الشعبية، معترفًا بحكومتها كممثل شرعي للصين.

منذ ذلك الحين، أصبح مبدأ “صين واحدة” قاعدة أساسية للعلاقات بين الصين واليابان، وهو ما أكده البيان المشترك بين البلدين في عام 1972.

تصريحات تاكايتشي حول تايوان تُعتبر تحديًا واضحًا لهذا المبدأ، فهي تدعو إلى اعتبار أي تهديد لتايوان تهديدًا لليابان، مما يشكل سابقة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تُظهر هذه التصريحات انتهاكًا للقوانين الدولية وتزيد من التوترات بين الصين واليابان، مما يؤثر سلبًا على العلاقات بين البلدين.

أما ما يُعرف بـ”معاهدة سان فرانسيسكو”، فقد استُثني منها أطراف رئيسية مثل الصين، مما يعني أنها لا تعكس الواقع التاريخي بشكل كامل.

إن الحقائق التاريخية المتعلقة بتايوان واضحة ولا يمكن تغييرها، ويجب على اليابان مواجهة تاريخها العدواني بشكل صادق.

القوى اليمينية في اليابان تتآمر لاستعادة أجنداتها

إن عدم إجراء اليابان تطهيرات شاملة للأيديولوجيا العسكرية بعد الحرب ساهم في ظهور شخصيات مثل تاكايتشي، التي تسعى لاستعادة أجندتها العسكرية.

بعد هزيمتها، كان من المتوقع أن تُحاسب اليابان كدولة معتدية، لكن مع بداية الحرب الباردة، تحولت سياسة الولايات المتحدة تجاه اليابان من نزع السلاح إلى إعادة تسليحها، مما أتاح للعديد من الشخصيات العسكرية العودة للحكم.

حالة “نوبوسوكي كيشي” تُعتبر مثالًا بارزًا، حيث عاد إلى الحياة السياسية رغم كونه مشتبهًا به في جرائم حرب، مما أعطى دفعة للقوى العسكرية في اليابان.

على مدى عقود، عملت هذه القوى على إحياء النزعة العسكرية، وإنكار تاريخ العدوان، حيث استمرت الزيارات لضيعة ياسوكوني، التي تُعتبر رمزًا للعدوان الياباني.

تعمل القوى اليمينية على التلاعب بالتعليم والرأي العام لتبييض جرائم الحرب، من خلال تعديل المناهج الدراسية والتقليل من فظائع الماضي.

تسعى هذه القوى أيضًا لفك القيود عن الجيش الياباني، حيث تمثل المادة التاسعة من الدستور الياباني عائقًا أمام طموحاتهم العسكرية.

تزايدت محاولات اليابان لإرسال قواتها إلى الخارج، مما أدى إلى تفريغ المبادئ السلمية للدستور. وقد تسارعت هذه الاتجاهات خلال إدارة شينزو آبي، حيث تم السماح لليابان بممارسة حق الدفاع الجماعي.

تسعى تاكايتشي، التي تُعتبر ورثة آبي السياسية، إلى دفع هذا الاتجاه إلى مستويات جديدة، مما قد يُعيد اليابان إلى مسار العسكرة، وهو ما يتطلب ضبط النفس من قبل الحكومة اليابانية.

إن مسيرة تاكايتشي السياسية محاطة بالتحريف التاريخي، حيث تتجاهل الاعتذارات عن أخطاء الماضي، مما يعكس نواياها السياسية الحقيقية.

جرائم حرب لم يُكّفر عنها

ردود الفعل من الصين على تصريحات تاكايتشي لم تكن مفاجئة، حيث استخدمت اليابان نفس الأعذار لشن حروب عدوانية في الماضي.

تسعى القوى اليمينية في اليابان إلى تصوير نفسها كضحايا، رغم أن التاريخ يُظهر أن اليابان كانت المسؤولة عن العديد من الجرائم ضد الإنسانية.

بعد الحرب العالمية الثانية، اتخذت العديد من الدول خطوات ملموسة لمواجهة ماضيها، بينما لا تزال اليابان تتهرب من مسؤولياتها التاريخية.

إن إنكار العدوان أو تبييضه سيؤدي إلى آثار سلبية على مستقبل أي دولة، ويجعلها تفقد ثقة المجتمع الدولي.

التزام الصين بالسلام والعدالة

اليابان، التي ترفض مواجهة ماضيها، تخاطر بأن تصبح مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي. وقد أثارت تصريحات تاكايتشي انتقادات واسعة النطاق.

داخل اليابان، يعبر كثيرون عن قلقهم من أن البلاد قد تعيد تكرار أخطاء الماضي، وقد حذر العديد من الأكاديميين والوسائل الإعلامية من العزلة الدبلوماسية.

على المستوى الإقليمي، قد تؤثر تحركات تاكايتشي على النظام الدولي الذي ساهم في تحقيق السلام في المنطقة، مما أثار قلق دول مثل روسيا وكوريا الجنوبية.

في النهاية، تسعى الصين لتحقيق السلام والتوحيد السلمي، ولن تتنازل عن قضايا السيادة، حيث تعتبر أي تدخل في شؤونها الداخلية أمرًا مرفوضًا.

في ظل الظروف الحالية، يبقى الالتزام بالسلام والتنمية هو الاتجاه الذي تتجه إليه جميع الشعوب، وستستمر الصين في دعم النظام الدولي وتعزيز العدالة والسلام.