قال الدكتور عز الدين حسنين، الخبير الاقتصادي، إن مشاركة الرئيس في هذا التوقيت ولقاءه المرتقب مع الرئيس الأمريكي ترامب على هامش المنتدى يضعان مصر في مركز “إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الإقليمي” حيث تتحول مصر من دولة تبحث عن التمويل إلى دولة تقدم “فرصاً استثمارية” متكاملة تشمل البنية التحتية والطاقة والتشريعات والاستقرار الجيوسياسي.
وأكد حسنين في تصريحات خاصة أن تأكيد الرئيس على أن الاقتصاد المصري يسير في “المسار الصحيح” وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي ليس مجرد كلام بروتوكولي، بل هو رسالة طمأنة لمجتمع الاستثمار العالمي في دافوس، ويعكس أن مصر تجاوزت مرحلة “إدارة الأزمات” وبدأت مرحلة “الاستقرار والنمو والتعافي النشط” وهذا يتضح من المؤشرات الأخيرة مثل ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي لأكثر من 50 مليار دولار وتوقعات النمو التي تقترب من 5.5%، ما يعكس تحولاً من “البنية التحتية” إلى “التنافسية النوعية”.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن هناك انتقالاً ذكياً في الخطاب، حيث لم يتحدث الرئيس عن الموانئ والطرق كإنجازات هندسية فقط، بل كمنصات اقتصادية، فمثلاً قناة السويس لم تعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبحت قاعدة لوجستية عالمية تحفها مشروعات اقتصادية وموانئ متطورة تتماشى مع أحدث نظم الإدارة والتشغيل العالمية.
وأضاف حسنين أن إشارة الرئيس السيسي للذكاء الاصطناعي وإعداد جيل متخصص تعني أن مصر تستهدف جذب استثمارات عالية القيمة وليس فقط استثمارات كثيفة العمالة، مما يضعها على خريطة التكنولوجيا العالمية، كما تطرق الرئيس إلى موضوع الطاقة، مشيراً إلى أن استعداد الدولة المصرية في مجال الطاقة هو رد فني على أحد أكبر مخاوف المستثمرين عالمياً وهو “أمن الطاقة”، إذ أن الرئيس يقدم “الاستقرار” و”الوفرة” في وقت يعاني فيه العالم من اضطرابات في سلاسل الإمداد ونقص الطاقة بسبب التوترات الجيوسياسية، مما يجعل مصر وجهة آمنة ومستقرة للاستثمارات الصناعية الكبرى.
كما أن حديث الرئيس عن امتلاك الدولة المصرية لشبكة من الطرق الحديثة والموانئ والسكك الحديدية لا يعني مجرد “مشروعات نقل”، بل يهدف إلى تحويل مصر إلى مركز لوجستي محوري يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، لتكون هذه الشبكة القومية بمثابة قناة سويس برية، فالربط بين الموانئ مثل العين السخنة والإسكندرية عبر “القطار الكهربائي السريع” يختصر زمن نقل البضائع بشكل غير مسبوق، مما يجعل مصر البديل الأسرع والأكثر أماناً لسلاسل الإمداد العالمية، والبنية التحتية لم تعد عائقاً بل أصبحت ميزة تنافسية تقلل من تكلفة التشغيل والإنتاج.
وتابع أن حديث الرئيس عن استهداف إعداد جيل قادر على تطوير التنمية في مصر في مجالات أكثر تقدماً وتخصصاً هو نقطة مهمة لضمان استدامة التنمية، والانتقال إلى “مجالات أكثر تقدماً” يعني أن الدولة تدرك أن نمو الناتج المحلي لا يعتمد فقط على الحجر بل على البشر، والتركيز على قطاع التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهذا التركيز يهدف إلى سد الفجوة بين التعليم وسوق العمل العالمي، مما يجعل الشباب المصري “مصدراً” للخدمات التكنولوجية ومحركاً للابتكار المحلي، واستهداف جيل متخصص يقلل من الاعتماد على الخبرات الأجنبية ويوطن التكنولوجيا داخل المشروعات القومية هو هدف استراتيجي للجمهورية الجديدة.
واختتم أن تصريحات الرئيس السيسي في منتدى دافوس 2026 لم تكن مجرد استعراض لإنجازات وطنية، بل كانت إعلاناً عن جاهزية الدولة المصرية لتحصل على مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة في نظام عالمي جديد يعاد تشكيله، فمن خلال الربط بين “صلابة البنية التحتية” و”مرونة التكنولوجيا المتقدمة” التي حققت فيها الدولة خطوات جيدة، قدمت مصر في دافوس نموذجاً فريداً لدولة استطاعت تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص استثمارية مستدامة.
لقد بعثت القاهرة برسالة واضحة للمجتمع الدولي، إن الاستثمار في مصر اليوم ليس مجرد مساهمة في نمو سوق ناشئ، بل هو شراكة مع منصة عالمية للطاقة واللوجستيات والعقول الشابة، تسير بخطى ثابتة نحو مستقبل لا يعترف إلا بالكيانات القوية والمتطورة.


التعليقات